السيد علي الطباطبائي
389
رياض المسائل ( ط . ق )
العادل مستحب لمن يثق ويعتمد بنفسه بالقيام بشرائط القضاء واستحبابه عيني فلا ينافي ما قدمناه من أنه واجب كفائي وربما وجب عينا إذا لزمه به الإمام ع أو لا يوجد من يتولاه غيره ممن يستجمع الشرائط ولا فرق في هذا بين حالتي حضور الإمام وغيبته ولا خلاف في شيء من ذلك عندنا خلافا لبعض العامة فحكم بالكراهة للنصوص المحذرة منها من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين وفي آخر يجاء بالقاضي يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة فقط وحملها الأصحاب على من لم يستجمع الشرائط أو إرادة بيان خطره ولا بأس به [ النظر الثاني في الآداب ] النظر الثاني في الآداب وهي قسمان مستحبة ومكروهة ولم يرد بكثير منها نص ولا رواية ولكن ذكرها الأصحاب ولا بأس بمتابعتهم مسامحة في أدلة السنن والكراهة [ فالمستحب ] فالمستحب إشعار رعيته وإخبارهم بوصوله وقدومه إن لم يشتهر خبره وطلب من يسأله ما يحتاج إليه من أمور بلده ليكون فيها على بصيرة من أمره والنزول في وسط البلد للتسوية بين الخصوم في مسافة الطريق والجلوس في قضائه أي حالة القضاء في موضع بارز مثل رحبة أو فضاء ليسهل الوصول إليه ويكون مستقبل القبلة في جلوسه لتحصيل الفضيلة على قول والأكثر على استحبابه مستدبر القبلة ليكون وجوه الناس إليها نظرا إلى عموم المصلحة وأن يأخذ مبتدئا ما في يد الحاكم المعزول من حجج الناس وودائعهم ليعلم تفاصيل أحوال الناس ويعرف حقوقهم وحوائجهم والسؤال بعد ذلك عن أهل السجون وإثبات أسمائهم والبحث عن موجب اعتقالهم وحبسهم ليطلق ويخلص من يجب إطلاقه بأن لا يثبت لحبسه موجب أو لم يظهر له خصم بعد إشاعة حاله وإن ادعى أن لا خصم له ففي إحلافه مع ذلك قولان ثم يسأل عن الأوصياء على الأيتام والمجانين وعن ثبوت وصايتهم وتصرفهم في المال ويفعل بهم ما يجب من إنفاذ أو إسقاط أو تضمين ثم ينظر في الأمناء الحافظين لأموال اليتامى والمحجور عليهم والغيب فيعزل الخائن ويسعد الضعيف بمشارك أو يستبدل به حسب ما اقتضاه رأيه ثم ينظر في الضوال واللقيط فيبيع ما يخشى تلفه وما يستوعب نفقته ثمنه ويعمل فيها على ما ينبغي ويقدم من كل نوع من ذلك الأهم فالأهم ويستحب له تفريق الشهود عند الإقامة فإنه أوثق خصوصا في موضع الريبة كما فعله سيد الأوصياء في جملة من قضاياه المعروفة عدا ذوي البصائر والشأن من العلماء والصلحاء الأعيان فلا يستحب تفريقهم بل ويكره وربما حرم لما يتضمن تفريقهم من الغضاضة والمهانة بهم بل وربما يحصل في ذلك كسر قلوبهم وأن يستحضر من أهل العلم والاجتهاد من يخاوضه ويعاونه في المسائل المشتبهة ويشهدهم حكمه فإن أخطأ نبهوه وما أتلفه خطأ فعلى بيت المال المعد للمصالح كما في النص المعمول به وينبغي أن يجمع قضايا كل أسبوع ووثائقه وحججه ويكتب تاريخها عليها وأنها لمن هي فإن اجتمع كل شهر كتب عليه شهر كذا أو سنة فسنة كذا أو يوم فيوم كذا ليكون أسهل عليه وعلى من بعده من الحكام في استخراج المطلق منها وقت الحاجة وإذا اتخذ كاتبا وجب أن يكون بالغا عاقلا مسلما عدلا بصيرا ليؤمن انخداعه فإن كان مع ذلك فقيها جيد الخط كان حسنا وينبغي أن يجلس بين يديه ليملي عليه ويشاهد ما يكتب وإذا افتقر إلى مترجم قيل لم يقبل عندنا إلا شاهدان عدلان عملا بالمتفق عليه الأحوط وإذا تعدى أحد الغريمين أقامه برفق وعمل بمراتب النهي عن المنكر [ والمكروهات ] والمكروهات الاحتجاب أي اتخاذ الحاجب وهو الذي لا يدخل عليه أحد إلا برضاه وقت القضاء للنبوي من ولي شيئا من أمور الناس فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم احتجب اللَّه تعالى دون حاجته وفاقته وفقره ونقل قول بتحريمه عن بعض الفقهاء لظاهر الخبر وفيه نظر وقربه فخر الدين مع اتخاذه على الدوام بحيث يمنع أرباب الحوائج ويضر بهم واستحسنه شيخنا الشهيد الثاني قال لما فيه من تعطيل الحق الواجب قضاؤه على الفوز والحديث يصلح شاهدا عليه وإلا كان مفيدا للكراهة للتسامح في أدلته انتهى ولا بأس به وأن يقضي مع ما يشغل النفس كالغضب لغير اللَّه تعالى والجوع والعطش والغم والفرح والمرض وغلبة النعاس ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك من المشغلات كما يستفاد من الأخبار ففي النبوي ص لا يقضي وهو غضبان وفي آخر لا يقضي إلا وهو شبعان وفي ثالث لا يقضي وهو غضبان مهموم ولا مصاب محزون وفي وصية علي ع لشريح ولا تقعدن في مجلس القضاء حتى تطعم وأن يستعمل الانقباض المانع من الإتيان بالحجة واللين الذي لا يؤمن معه من جرأة الخصم وأن يرتب ويعين قوما دون غيرهم للشهادة لما يترتب عليه من التضييق على الناس والغضاضة من العدل الغير المرتب ونقل قول بتحريمه نظرا إلى أن ذلك موجب لإبطال شهادة مقبولي الشهادة فإنه ربما يتحمل الشهادة غيرهم فإذا لم تقبل شهادتهم ضاع الحق عن أهله وقد قال سبحانه وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فأطلق فتحمل ذلك ضرر على الناس وحرج بالاقتصار وهما منفيان والأشهر الكراهة وأن يشفع إلى الغريم وصاحب الحق في إسقاط أو إبطال خوفا من أن ينسمح الغريم في وجه القاضي فيجيبه لسؤاله مع عدم رضائه في الباطن هذا إذا كان بعد ثبوت الحق وإلا فلا يكره بل يستحب الترغيب في الصلح وهنا [ مسائل ] مسائل خمس [ الأولى في علم القاضي ] الأولى للإمام أن يقضي بعلمه في الحقوق مطلقا للناس كانت أم لله تعالى إجماعا في الظاهر المصرح به في كتب جماعة حد الاستفاضة كالإنتصار والغنية والإيضاح ونهج الحق للعلامة وغيرها من كتب الجماعة وهو الحجة مضافا إلى فحاوي الأدلة الآتية وعلمه المانع من الخلاف وعصمته المانعة من التهمة وإمضاء رسول اللَّه ص الحكم له بالناقة على الأعرابي من أمير المؤمنين ع كما في الرواية المشهورة وهل لغيره أي لغير الإمام أيضا أن يقضي بعلمه في حقوق الناس وفي حقوق اللَّه تعالى من حدوده فيه قولان أظهرهما أنه كسابقه وهو أشهرهما بل عليه عامة متأخري أصحابنا وفي صريح الانتصار والخلاف والغنية ونهج الحق وظاهر السرائر أن عليه إجماع الإمامية وهو الحجة مضافا إلى أدلة كثيرة ذكرها الجماعة منها استلزام عدم الجواز إما إيقاف الأحكام أو فسق الحكام واللازم بقسميه باطل بيان الملازمة أنه إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا بحضرته ثم جحد كان القول قوله مع يمينه فإن حكم بغير علمه وهو استحلافه وتسليمها إليه لزم فسقه وإلا لزم إيقاف الحكم لا لموجب وكذا إذا أعتق عبده بحضرته ثم جحد ونظائره كثيرة ومنها استلزامه أحد الأمرين إما عدم وجوب إنكار المنكر وعدم